الانسان لم يولد ليعيش عبثًا و يموت عبثًا ..

135

.. أما الشعب الذي ينفق أحشاءه و همته و حماسه في هدف كروي ثم يعود إلى بيته جثة خاوية جوفاء ليس فيها همة لشئ .. فهو شعب يحتاج إلى تحليل نفسي ..!!
هل يأس من عمل شئ جاد ؟!
هل أبواب التفوق مغلقة في جميع المياديين و لم تبق إلا الملاعب؟!
هل تركيز الإعلام على مباريات الكرة و أبطالها هو المسئول ؟!
هل هو خطأ في التربية و التعليم ؟!
هل هو خطأ سياسي تنظيمي ؟!
لو صح هذا ..
فالتفكير خاطئ لأن الدولة في حاجة إلى العمل و الإنتاج و الإجادة و الأختراع و إلى الحماس الاخر الصحي الذي تضيعه بفتح الباب على مصراعيه لهذا اللعب .. لن تستطيع الدولة أن تبني اقتصادها بأهداف كروية .. و إذا كسبنا الأوليمبي و خسرنا معاركنا مع القمح و القطن و الأرز .. فلن نصنع شيئا ذا بال .. و النتيجة أن يتفجر الشارع من الجوع رغم جميع المباريات الفائزة ..
إن جدول الأولويات في بلادنا مختل .. و مقلوب على رأسه .. اللعب في أول القائمة .. و الجد في اخرها .. هذا إن وجد له مكانا .. و الاستراتيجية الغالبة على نظامنا هي استراتيجية التفاريح ..
و السعادة في قاموسنا انفجار و فرح وحشي و تهريج .. و سوف يوافقني علماء النفس على أن هذا النوع من الفرح هو تعبير عن الكبت و الحرمان و لا يمت إلى السعادة بسبب و قد شاهدنا الشارع ينفجر ثم يهمد ..

لقد رفع أجدادنا أهرامات بدون حديد و بدون مسلح و بقيت على الزمان خمسة الاف سنة .. و نحن نرفع عمارة من الأسمنت و الخرسانة .. و المسلح لتقع منهارة بعد شهورًا من بنائها ..
و الفرق الوحيد هو هذا الشئ الذي نتحدث عنه ..
روح الجد عندهم و روح اللعب و العبث عندنا ..
إن العمر قصير .. و الانسان لم يولد ليعيش عبثًا و يموت عبثًا .. و ما نعانيه من أحوال يدعو لأن نعمل شيئا في حياتنا .. شيئا في الذوق العام .. و في الفهم و في الوعي و في الإدراك يجب أن يغير ..
و علينا أن نجدول أولوياتنا من جديد بحيث يكون .. العمل الجاد في البند الأول و اللعب في البند الأخير ..

من كتاب ” اعترافات مصطفى محمود “