وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ 

706

﴿ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون۝
وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ  ۝الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون  ۝ أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون۝إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم﴾
[البقرة: 154-158]
جاء ذكر الصفا والمروة بعد ذكر الصابرين وجزاؤهم بأن عليهم من ربهم صلوات ورحمة كنموذج تطبيقي لما حدث للصابرة هاجر عليها السلام . فالسعي بين الصفا والمروة نموذج لجزء من الصلوات التي حصلت عليها هذه السيدة الجليلة الكريمة . حيث قدس موقفها وخلد إلى آخر الدنيا بأن جعل شعيرة من شعائر الله فإن من ضمن معاني الصلاة من الله تعالى على عبده أن يذكر في المﻷ اﻷعلى وفي الناس (ورفعنا لك ذكرك) وقد أمر الله نبيه أن يذكر الصابرين من اﻷنبياء ويذكر بهم . وأيضا فإن من معاني صلاة الله على عباده اﻹكرام واﻹعزاز وأي إكرام وإعزاز أعلى من أن يكون موقفها  من شعائر الله
أما الرحمة في تخليد سعيها بين الصفا والمروة فتظهر في أن الذي خلد وقدس لم يكن ثباتها وجلدها وقوتها اﻹيمانية في تقبل ترك إبراهيم عليه السلام لها ولرضيعها في الصحراء . ولكن الذي خلد هو هلعها وارتياعها وذهاب عقلها وفقدها للتماسك والتوازن . لقد سعت مرة بين الصفا والمروة وهي كافية . فلتسعى باحثة في موضع آخر لكن الهلع ينسيها فتدور مرة ثانية وثالثة دون توقف أو تدبر أو ترو . مأخوذة هي كريشة وسط  أمواج وجعها الطاغية . فخلد ذلك الموقف كنوع من الرحمة . وفي هذه المسألة معنى خطير ومهم جدا وهو أن اﻹنسان إذا وضع نفسه في طريق مرضاة الله ثم في أثناء الطريق انتابه الهلع والخطأ والضعف العلمي والعقلي والقرارات الفالتة تحت الضغوط والمعاناة . فإن ذلك عند الله تعالى بمكان . قد يكون آثر وأعظم من الرزانة والحكمة في اﻷمان والوفرة .
ومعنى آخر يتعلق بالفطرة التي فطر عليها اﻹنسان كاﻷمومة واﻷبوة واﻷخوة ومحبة المسلمين   وسائر العواطف الروحية والجسدية التي وضعها الله فيه . أن ما يصيبك بسببها مرعي يتكفل الله بجزائه ﻷنه واضعه فيك ولذا جاء التحذير الشديد من عقوق الوالدين ﻷن الله هو الذي قهر قلبيهما على تلك المحبة للولد . وعكسه ما جاء في الحديث (رحم الله والدا أعان ابنه على بره) وفي ترك المرأة فراش زوجها جاء التهديد بلعن الملائكة الرحيمة العطوفة لها . ﻷن الذي قهر الزوج وأحوجه لامرأته ما وضعه الله فيه من الغريزة . ويلزم منه العكس إذا نوت المرأة الصدقة على زوجها ورحمته وبره بهذا الوصل . ويقاس عليه ما يفعله البعض من استغلال غرارة الفتيات الصغيرات إذا اصطلح على الفتاة غفلة اﻷهل ورافد الثقافة الرديئة مع ما جبلن عليه من الميل الفطري للعلاقة وتمثلها في شعورهن بصورة بهية مشرقة جارفة وقد جاء في الحديث ( ﻭَﺃَﻫْﻞُ اﻟﻨﺎﺭ ﺧﻤﺴﺔ: اﻟﻀَّﻌِﻴﻒُ اﻟَّﺬِﻱ ﻻَ زبر ﻟﻪ، اﻟﺬﻳﻦ ﻫﻢ ﻓﻴﻜﻢ ﺗﺒﻊ ﺃﻭ ﺗﺒﻌﺎ- ﺷَﻚَّ ﻳَﺤْﻴَﻰ- ﻻَ ﻳَﺒْﺘَﻐُﻮﻥَ ﺃَﻫْﻼً ﻭَﻻَ ﻣَﺎﻻً، ﻭَاﻟْﺨَﺎﺋِﻦُ اﻟَّﺬِﻱ ﻻَ ﻳَﺨْﻔَﻰ ﻟَﻪُ ﻃَﻤَﻊٌ ﻭَﺇِﻥْ ﺩَﻕَّ ﺇِﻻَّ ﺧَﺎﻧَﻪُ، ﻭَﺭَﺟُﻞٌ ﻻَ ﻳُﺼْﺒِﺢُ ﻭَﻻَ ﻳُﻤْﺴِﻲ ﺇِﻻَّ ﻭَﻫُﻮَ ﻳُﺨَﺎﺩِﻋُﻚَ ﻋَﻦْ ﺃَﻫْﻠِﻚَ ) فأقسم أحد رواة الحديث  أنه رأى ذلك في الرجل يصحب القوم يرعى لهم غنمهم لا يصحبهم إلا ليخدع وليدتهم . وإقسام الراوي  دليل على أن اﻷمر مستبعد في زمانهم  وقد أوصى حاتم الطائي في الجاهلية  ابنه عند موته في صورة إخباره عن صفات أبيه وأنه لم يجالس جارية قط ليخدعها عن نفسها .
فلا يحزن محب رحيم ودود مخلص في غير معصية الله  إذا لاقى الجحود والنكران وعدم الوفاء فكله عند الله لا يضيع وإن الله لم يطبع قلبه على انجراف الحنان والحنين الطاهر لكي يعذبه به ويصغره ويحييه مقهورا  . وفي الحديث (هجر المسلم كقتله )
ومما لم تذكره اﻵية في موقف السيدة هاجر . هو أن ولدها الذي تعذب قلبها بجوعه وظمأه . خرج من نسله محمد صلى الله عليه وسلم . وﻷنها ابتليت بجوعه وعطشه فإن نسل إسماعيل فقط لا غير هم الذين يقاتلون الدجال صاحب جبال الخبز وأنهار الماء في زمن الجوع والعطش . ﻷن أباهم وجدتهم ابتليا بهذا الجوع والعطش .
وهكذا يخرج من اقتران آيتين في الكتاب الحكيم كل تلك الهدايات والروعة
والقصة والقضية لنا .. لنعلم أننا سننال الجزاء العظيم حين نصبر وإلا لم يكن لذكرها معنى . نعم قد لا تتجلى لنا العظمة في الدنيا كما تجلت للسيدة هاجر . ولكن الله تعالى قال لنا (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) وقال لنا قبل آيات الصبر مباشرة (فاذكروني أذكركم) ومن أعظم الذكر قوله تعالى ( وبشر الصابرين۝الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون) فيكون لنا الذكر في المﻷ اﻷعلى في الدنيا . أما في اﻵخرة فشأننا سيكون على صفة طواف الطائفين بين الصفا والمروة ذكرا وإعزازا وتحية قال تعالى (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب. سلام عليكم بما صبرتم) هكذا جاء التعبير .. من كل باب