أم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد (68 – 3 ق هـ = 556 – 620 م)

258

أم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد (68 – 3 ق هـ = 556 – 620 م)
هي السيدة خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي الأسدية.
وأمها : فاطمة بنت زائدة بن الأصم العامرية.
ولدت بمكة، ونشأت في بيت شرف ويسار، ومات أبوها يوم الفجار.
أم أولاد رسول الله ﷺ ، وأول من آمن به وصدقه قبل كل أحد، وثبتت جاشه، ومضت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل.
وهي ممن كمل من النساء.
كانت عاقلة جليلة دينة مصونة كريمة، من أهل الجنة، وكان النبي ﷺ يثني عليها، ويفضلها على سائر أمهات المؤمنين، ويبالغ في تعظيمها، بحيث إن عائشة كانت تقول: ما غرت من امرأة ما غرت من خديجة، من كثرة ذكر النبي ﷺ لها.
ومن كرامتها عليه ﷺ أنه لم يتزوج امرأة قبلها، وجاءه منها عدة أولاد، ولم يتزوج عليها قط، ولا تسرى إلى أن قضت نحبها، فوجد لفقدها، فإنها كانت نعم القرين.
وقد أمره الله أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب.
وكانت خديجة تحت أبي هالة هند بن النباش بن زرارة التميمي –مات عنها-، فولدت هند سُمي باسم أبيه، وكذلك أنجبت لأبي هالة ولداً آخر اسمه هالة ، ثم خلف عليها بعده عتيق بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، فولدت له بنتاً اسمها: هند. ثم سيدنا النبي ﷺ ، فبنى بها وله خمس وعشرون سنة.
وكانت أسن منه بخمس عشرة سنة.
وقال ابن إسحاق: بل تزوجها أبو هالة بعد عتيق. وكانت وزيرة صدق على الإسلام.
قالت عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا ذكر خديجة لم يكد يسام من ثناء عليها واستغفار لها، فذكرها يوما، فحملتني الغيرة، فقلت: لقد عوضك الله من كبيرة السن ! قال: فرأيته غضب غضبا.
أسقطت في خلدي ، وقلت في نفسي: اللهم إن أذهبت غضب رسولك عني لم أعد أذكرها بسوء.
فلما رأى النبي ﷺ ما لقيت، قال: ” كيف قلت ؟ والله لقد آمنت بي إذ كذبني الناس، وآوتني إذ رفضني الناس، ورزقت منها الولد وحرمتموه مني ” قالت: فغدا وراح علي بها شهرا.
أولادها من النبي ﷺ: القاسم، والطيب، والطاهر (ماتوا رضعا) ; ورقية، وزينب، وأم كلثوم، وفاطمة. عليهم السلام.
قالت السيدة عائشة رضى الله عنها : أول ما بدئ به رسول الله ﷺ الرؤيا الصادقة في النوم ، فكان ﷺ لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق (ضياء) الصبح ، وحبب إليه الخلاء ، فكان ﷺ يأتي حراء فيتحنث فيه – وهو التعبد الليالي ذوات العدد – يتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة رضي الله عنها فتزوده مثل ذلك ، حتى فجأه الحق ، وهو بغار حراء ، فجاء الملك فيه فقال : {اقْرَأْ } ، فقلت : « ما أنا بقارئ » فأخذني فغطني (ضمني بشدة) ثم بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني فقال : {اقْرَأْ } ، فقلت : « ما أنا بقارئ » فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني فقال : {اقْرَأْ } ، فقلت : « ما أنا بقارئ ، فأخذني الثالثة ، حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني فقال : {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } [العلق: 1 – 5] » فرجع بها ترجف (تضطرب) بوادره (اللحمة بين المنكب والعنق) ، حتى دخل ﷺ على خديجة رضي الله عنها ، فقال : « زملوني (غطوني) زملوني » فزملوه حتى ذهب عنه الروع (الفزع) ، فقال ﷺ : « يا خديجة ، ما لي » فأخبرها الخبر ، وقال : « قد خشيت على نفسي » فقالت له ﷺ: كلا أبشر ، فوالله لا يخزيك الله أبدا ، إنك لتصل الرحم ، وتصدق الحديث ، وتحمل الكل (من يحتاج إلى رعاية ونفقة) ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب (ما ينزل بالإنسان من الكوارث والحوادث المؤلمة) الحق ، ثم انطلقت خديجة رضي الله عنها ، حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي ، وهو ابن عم خديجة رضي الله عنها – أخي أبيها – وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية ، وكان يكتب الكتاب العربي ، فكتب بالعربية من الإنجيل ، ما شاء الله أن يكتب ، وكان شيخا كبيرا قد عمي ، فقالت له خديجة رضي الله عنها : يا ابن عم ، اسمع من ابن أخيك محمد ﷺ ، فقال ورقة بن نوفل : هذا الناموس الذي أنزل على موسى عليه السلام ، يا ليتني فيها جذعا (الشاب الفتي القوي الذي يستطيع أن ينصر غيره ويرفع عنه الظلم) ، أكون حيا حين يخرجك قومك ، فقال ﷺ : « أومخرجي هم ؟ » قال : نعم ، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي وأوذي ، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا .
قال الشيخ عز الدين بن الاثير: خديجة أول خلق الله أسلم، بإجماع المسلمين.
وقال الزهري، وقتادة، وموسى بن عقبة، وابن إسحاق، والواقدي، وسعيد بن يحيى: أول من آمن بالله ورسوله خديجة، وأبو بكر، وعلي، رضي الله عنهم.
عن أنس: ” خير نساء العالمين مريم، وآسية، وخديجة ينت خويلد، وفاطمة “
عن عائشة: أن خديجة توفيت قبل أن تفرض الصلاة.
وقيل: توفيت في 10 رمضان، ودفنت بالحجون ، عن خمس وستين سنة.


[الأعلام للزركلي – تاريخ الإسلام – سير أعلام النبلاء]