من القضايا المهمة التي برزت في سورة النمل التميز والسبق بين عفريت من الجن والإنسي الذي عنده علم من الكتاب فيقول الأول أنا آتيك به قبل قيامك من مجلسك. فرد الآخر أنا آتيك به في طرفة عين .ثم التميز والسبق بين عفريت من الجن والإنسي الذي عنده علم من الكتاب فيقول الأول أنا آتيك به قبل قيامك من مجلسك. فرد الآخر أنا آتيك به في طرفة عين .

204

من القضايا المهمة التي برزت في سورة النمل وتكررت الإشارة إليها قضية التميز الصحيح والخاطئ و الانحطاط ونزول الرتبة عن المضاد المقابل

– قال الله تعالى ( ﴿أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون﴾
[النمل: 5]
كلمة الأخسرون تعني أخسر من على المفاضلة والموازنة . وهي لم ترد في القرآن سوى مرتين . هنا وفي سورة هود (لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون)
قال العلامة ابن الزبير في تعليقه على موضع سورة هود ( قوله تعالى: (لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الأَخْسَرُونَ) (هود: ٢٢)، وفي سورة النحل: (لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الْخَاسِرُونَ) (النحل: ١٠٩)، للسائل أن يسأل عن وجه تخصيص آية هود بقوله: (الأَخْسَرُونَ) وآية النحل (بقوله) (الْخَاسِرُونَ)؟ (وهل كان يمكن العكس)؟
والجواب: أن آية هود تقدمها (ما يفهم) المفاضلة، ألا ترى أن قوله تعالى: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ) (هود: ١٧)، الآية يفهم من سياقها أن المراد: أفمن كان على بينة من ربه كمن كفر وجحد (وكذب) الرسل؟ ثم أتبع هذا بقوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً) (هود: ١٨)، فهذا صريح مفاضلة، ثم أستمرت الآي في وصف من ذكر وعرضهم على ربهم وقول الأشهاد: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) (هود: ١٩، ١٨) إلى ذكر مضاعفة العذاب لهم، وأستمر ذكرهم إلى قوله: (لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الأَخْسَرُونَ) (هود: ٢٢)، فناسب لفظ الأخسرين بصيغة التفاضل، ومقصود التفاوت ما تقدم مما يفهم ذلك من قوله تعالى: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ) (هود: ١٧)، وأفعل من كذا في قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى) (هود: ١٨)، فالأيات من لدن قوله (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ) إلى قوله: (هُمْ الأَخْسَرُونَ) (مبنيات على ما ذكرناه غير خارجة عن هذا المقصود، ولو ورد هنا ((الخاسرون)) مكان ((الأخسرين)) لتنافى النظم وتباين السياق ولم يتناسب.)
والتميز هنا يظهر من قوله تعالى (زينا لهم أعمالهم) فهي أعمال متميزة فريدة شهية يثبتون بها ذواتهم ووجودهم وعلوهم وهي لزينتها يندفعون فيها .
ولذا نلاحظ في سورة هود وسورة النحل لما ذكرت زينة الدنيا ومحبتها دون تبيين مفردات ونوعيات الأعمال ومعنى الزينة والتميز فيها والتميز في حالتهم لم تذكر المفاضلة .
وفي سورة هود أيضا وهنا لما ذكرت الأعمال ذكرت المفاضلة بعبارة الأخسرون
أما عدم ذكر المفاضلة ففي سورة هود ( ﴿مَن كانَ يُريدُ الحَياةَ الدُّنيا وَزينَتَها نُوَفِّ إِلَيهِم أَعمالَهُم فيها وَهُم فيها لا يُبخَسونَ۝أُولئِكَ الَّذينَ لَيسَ لَهُم فِي الآخِرَةِ إِلَّا النّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعوا فيها وَباطِلٌ ما كانوا يَعمَلونَ﴾
[هود: 15-16] فذكرت اﻷعمال مجملة
وفي سورة النحل ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمُ استَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنيا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهدِي القَومَ الكافِرينَ۝أُولئِكَ الَّذينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلوبِهِم وَسَمعِهِم وَأَبصارِهِم وَأُولئِكَ هُمُ الغافِلونَ۝لا جَرَمَ أَنَّهُم فِي الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرونَ﴾
[النحل: 107-109]
أما ذكر المفاضلة ففي سورة هود ( ﴿وَمَن أَظلَمُ مِمَّنِ افتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولئِكَ يُعرَضونَ عَلى رَبِّهِم وَيَقولُ الأَشهادُ هؤُلاءِ الَّذينَ كَذَبوا عَلى رَبِّهِم أَلا لَعنَةُ اللَّهِ عَلَى الظّالِمينَ۝الَّذينَ يَصُدّونَ عَن سَبيلِ اللَّهِ وَيَبغونَها عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ هُم كافِرونَ۝أُولئِكَ لَم يَكونوا مُعجِزينَ فِي الأَرضِ وَما كانَ لَهُم مِن دونِ اللَّهِ مِن أَولِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ ما كانوا يَستَطيعونَ السَّمعَ وَما كانوا يُبصِرونَ۝أُولئِكَ الَّذينَ خَسِروا أَنفُسَهُم وَضَلَّ عَنهُم ما كانوا يَفتَرونَ۝لا جَرَمَ أَنَّهُم فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخسَرونَ۝إِنَّ الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَأَخبَتوا إِلى رَبِّهِم أُولئِكَ أَصحابُ الجَنَّةِ هُم فيها خالِدونَ۝مَثَلُ الفَريقَينِ كَالأَعمى وَالأَصَمِّ وَالبَصيرِ وَالسَّميعِ هَل يَستَوِيانِ مَثَلًا أَفَلا تَذَكَّرونَ﴾
[هود: 18-24]
حيث تشعر جملة (أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض) بتميزهم فيها وقوتهم وتمكنهم
فتأتي لفظة الأخسرون هنا وفي هود لمعالجة شعور الإنسان المسلم تجاه ذلك التميز وذلك الانطلاق الذي لا يحسب للحق حسابا . فهم الأخسرون مقابل تميزهم في الدنيا .(ولهم سوء العذاب ) مقابل الزينة المستحسنة التي كانوا فيها . وفي هود (خسروا أنفسهم) التي عاشوا لذة إثباتها وتمددها بالباطل ويقابلها في هود في وصف المؤمنين (وأخبتوا إلى ربهم) والإخبات تواضع وعدم انتفاش .
-وأيضا فإن سوء العذاب لا يكون فقط كمقابل للتميز المزين كحالة قوم فرعون (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا) . ولكن كجزاء يجانس الدناءة والانحطاط السوء القبيح المتميز . كما في حالة قوم لوط الذين جاء ذكرهم في السورة . متميزين بفاحشة لم يسبقوا فيها وبئس السبق . ورافضين للتميز الطاهر (أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون) ومن الجميل ما نقله ابن فورك في تفسيره عن المعتزلة حيث قال ( وقيل {زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ}
شهوة القبيح ليجتنبوا المشتهى.)
وفي مثاني القرآن قد يأتي ثالث لربط الموضعين الثنائيين . ففي موضع النمل ذكرت الأعمال المزينة وجزاؤها السوء ثم انحطاط الرتبة في الآخرة فهم الأخسرون
وفي موضع هود جاء ذكر انحطاط الرتبة أيضا وذكر الأعمال دون ذكر زينة هذه الأعمال (يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا) بقوة وتمكن دعا القرآن ليقول ( أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض) . فلما لم تذكر زينة الأعمال لم يذكر السوء . فيأتي موضع ثالث يكمل الموضعين ويربط بينهما ( ﴿وَلا تَتَّخِذوا أَيمانَكُم دَخَلًا بَينَكُم فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعدَ ثُبوتِها وَتَذوقُوا السّوءَ بِما صَدَدتُم عَن سَبيلِ اللَّهِ وَلَكُم عَذابٌ عَظيمٌ﴾
[النحل: 94]
حيث نفهم منه أن السوء وذوقه جزاء لمن يصد عن سبيل الله . فهو إذن جزاء للمذكور حالهم في سورة هود كما في سورة النمل .
أما المنحطين من قوم لوط فقد وصفت قريتهم في سورة الفرقان (القرية التي أمطرت مطر السوء)
والمعنى أن لا نتألم ولا نغتر بحال الكفار المجرمين وعلوهم وانطلاقهم . ولا نتألم من انطلاقهم في الانحرافات وترك الله لهم ومدهم بالنعم وحسن المعيشة والعلوم .
أما قوم صالح فقد ذكر في السورة تسعة متميزون منهم بالفساد . ولم يذكر رقمهم في باقي القرآن سوى في هذه السورة دليل على هذا المقصد فيها .
وقصتهم تجمع بين حالة علو قوم فرعون ودناءة قوم لوط . فمن حيث الدناءة كانت جريمتهم من أجل شرب لا يحتاجونه لأن الشرب مبذول لهم ويكفيهم ويغنيهم ولكنها الدناءة وهم في تلك يشبهون قوم لوط حيث جعل الله لهم من أزواجهم شرب لكنهم أبوا إلا الشرب الدنيء وسورة الشمس تجمع الحديث عن المسألتين (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها كذبت ثمود بطغواها إذ انبعث أشقاها) حيث جاء ذكر ثمود عقب ذكر دس النفس ودناءتها كمثال . ثم ذكر وجه الطغيان والعلو ( بطغواها) وذكر لفظة (انبعث) توحي بالعنفوان والعتو والعمه والفتوة . لتصدمها مباشرة لفظة (أشقاها) فتضع هذا الانبعاث في حجمه في النفس فلا نغتر بكل عتو أو عنفوان ناظرين للعاقبة . والعاقبة للتقوى
أما قصة سليمان عليه السلام فهي مفتتحة بقوله تعالى (وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير) مختتمة بذكر الصرح الممرد من قوارير والذي عالج التميز الباطل في نفس بلقيس عليها السلام فأسلمت مع سليمان . نعم معه بكل تواضع (قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت) مباشرة
وفي ثناياها تأتي قصة النملة المتميزة حيث يزيد الله في الخلق ما يشاء حتى في عالم النمل . ويأتي انتفاش الهدهد بتميزه انتفاشا محببا (أحطت بما لم تحط به) وليس هذا فقط . بل أخباري مؤكدة فقد جئتك بنبإ يقين ثم يعرض القضية من خلال تخصصه الذي تميز به (ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء) . ثم التميز والسبق بين عفريت من الجن والإنسي الذي عنده علم من الكتاب فيقول الأول أنا آتيك به قبل قيامك من مجلسك. فرد الآخر أنا آتيك به في طرفة عين .
وفي آواخر السورة وفيها وحدها يأتي ذكر الدابة التي ستميز بين الكافر والمسلم . تمييزا نهائيا حتى يتنادى الناس يامؤمن .. يا كافر