ما هو القتل الرحيم ؟

858

عن صورة العالم الأسترالي “ديفيد غودال” صاحب ال104 سنة، وهو بيودع أسرته قبل ما يتوجه بإرادته لعيادة “القتل الرحيم” في سويسرا، ﻹنهاء حياته طواعية، ولو فاكر حضرتك في سنة 2000م، عرض التليفزيون المصري مسلسل “أوبرا عايدة” الشهير، قدم فيه “يحيى الفخراني” دور المحامي العقر “سيد أوبرا”، اللي بيترافع عن “حنان ترك” اللي قامت بدور “الدكتورة عايدة”، المتهمة في قضية قتل صديقه، وتناول المسلسل قضية شائكة جدا وهي “الموت الرحيم”، وهل يجوز للطبيب أن ينهي حياة المريض بدافع الرحمة؟! وبيتناول رأي الدين والقانون حول الموضوع..

موضوع العالم الاسترالي دا هو نفس القضية اللي أثارها المسلسل، ﻷن “ديفيد غوردال” بيعاني من مجموعة أمراض مزمنة، ومفيش أمل من شفائه، وعشان كدا قرر السفر لسويسرا وحجز في عيادة من عيادات القتل هناك، ﻷن القانون الاسترالي بيرفض إجراء عمليات الموت الرحيم تحت أي ظرف، لكن العمليات دي مقننة في سويسرا ولها بيزنس بملايين، وكمان تعتبر سويسرا أكبر دول العالم استيعابا للراغبين في إجراء عملية الموت الرحيم، فسافر العالم بصحبة بنته عشان يتخلص من حياته..

صحف وقنوات إخبارية كتيرة اهتمت بالموضوع، ﻷن الطبيعي إن الإنسان يكون متشبث بحياته مش بموته، والدكاترة اللي بيقوموا بإجراء العمليات دي بيكونوا في صراع أخلاقي ومهني معقد جدا، ﻷن مهنة الطب خلقت أساسا للمحافظة على حيواة الخلائق مش العكس، ولكن في نفس السياق بيبقى فيه دافع لتخفيف آﻻم المريض وخصوصا الميئوس من حالته، ودا بالظبط النموذج اللي اتقدم في مسلسل “أوبرا عايدة”، وكان المسلسل دا بيستثمر حالة الجدل القائمة في البلد وقتها عن قضية “الممرضة عايدة”.. ودي محتاجة حدوتة لوحدها..

“دفيد” سافر لبازل في سويسرا مع بنته، وألقى خطاب مقتضب من قلب المستشفى قال وصيته الأخيرة، ودعا العالم الاسترالي لتقنين الأدوية اللي بتساعد على الانتحار السريع بدون ألم، وندد بعدم قدرة الأطباء على إدراجها في وصفات طبية متاحة للجميع، واعتبر إن حياة الفرد في استراليا ملك له وما ينفعش تتقيد، وﻻزم يبقى من حق الأفراد إنهاء حياتهم، ووجه دعوة لدول زي أستراليا عشان تغير قوانينها لتكون أكتر تقبلا لمسألة “الموت الرحيم”، وقال:

– “مللت الحياة.. أفكر في الانتحار منذ أكثر من عشرين عاما، لا أعتقد أن هناك حياة أخرى .. أكون سعيدا حين أفكر أن لا شئ في انتظاري”…. “متحمس جدا للموت”..

طبعا واضح الخلفية الدينية المعدومة عنده، وأنا ما أعرفش إيه اللي فكر الناس بحكايته؟ وبيعيدوا نشر صورته بشكل واسع من امبارح، أصل خطوة الموت الرحيم دي نفذها “ديفيد غودال” يوم 10 مايو 2018م، وقتها أنا كتبت عنه على الأكونت بتاعي القديم، وكانت قضية عملت بلبلة ضخمة وجدال واسع، دا طبعا بعيد عن رأي اﻷديان الواضح برفض الأمر دا وتحريمه، ﻷنه نوع من التحايل على الشرع الإلهي ﻹباحة الانتحار، لكن بشكل شيك كدا، وممكن تشوف فيديوهات كتيرة عنه على اليوتيوب، ودي عينة منها..

“ديفيد ويليام غودال David Goodall” ‏الراجل دا اتولد في 4 أبريل 1914 في عز أزمة الحرب العالمية الأولى، ونفد من أقسى وأشرس جائحة وبائية في تاريخ البشرية، وهي “الإنفلونزا الإسبانية”، وبعدين عاصر الحرب العالمية التانية وبرضو نجي منها، وأصبح واحد من أعظم علماء البيئة والنبات في استراليا وابعالم وكان مؤثر في التطور المبكر للطرق العددية في علم البيئة، ورائد في دراسة الغطاء النباتي، وبعدين يزهق من عيشته ويقرر ينهي حياته بكل بساطة كدا، فتخيل لو كان عايش لحد الأزمة الحالية، كان هيبقى شخص تاريخي بكل معنى الكلمة.. لكن كل واحد بينتزع روح الإله من قلبه بيبقى زي البيت الخرب..

حالة الراجل دا بتتكرر كتير في أوروبا، وفيه دول كتيرة زي سويسرا وبريطانيا بتقنن عمليات الموت الرحيم، الانتحار، وفيه مثال تاني على الموضوع دا أقدم عليه “فرناندو ريكسن” ﻻعب وسط ملعب منتخب هولندا الشهر، كان ﻻعب معروف وساهم في وصول منتخب هولندا لنهائي كاس العالم 2010م في جنوب إفريقيا، وعانى “فيرناندو” من مرض التصلب الجانبي الضموري “شلل الأعصاب” من سنة 2013م، مباشرة بعد إعلان اعتزاله اللعب رفقة نادي فورتونا سيتارد الهولندي..

والسنة اللي فاتت امتنع عن تلقي العلاج لوضع حد لمعاناته، ﻷن المرض بتاع دا غير قابل للشفاء، وقرر الإقدام على “الموت الرحيم أو القتل الرحيم” بشكل طوعي سلبي من نفسه، وسافر لبريطانيا في سبتمبر واتحجز في مستشفى اسكتلندية متخصصة في عمليات القتل دي، ومات “ريكسن” في اسكتلندا في يوم 18 سبتمبر 2019م، وهو لسة ما كملش الـ 43 سنة من عمره، وبرضو وقتها كان محل انتباه الصحافة والإعلام، واتعملت عنه حلقات نميمة ورغي على السوشيال ميديا، وفيه قنوات كتيرة عملت فيديوهات بتحكي عنه، وممكن تشوف الفيديو دا عنه.

بالمناسبة احنا عندنا تجربة “أوبرا عايدة” كانت بتناقش الموضوع بشكل محلي، وفيها مراعاة للجوانب الأخلاقية والمهنية والدينية، ولكن العالم الخارجي بقى بيتعامل مع كل القضايا بمبدأ المصلحة، والأخلاقيات دي بقت برواز أجوف لتقرير فوايد اقتصادية أو سياسية وبس، سنة 2010م قام “آل باتشينو” ببطولة فيلم “you dont know jack”، الفيلم قصة حقيقية عن الدكتور جاك اللي قام بإنهاء حياة كذا حد بطريقة “القتل الرحيم”.. ودا عمل ركز على جوانب مختلفة في شخصية الدكتور القاتل..

تقريبا القضية دي نقطة جدال واسعة جدا إنسانيا، وبتلاقي فيها الرأي والرأي الآخر باستمرار، ولكننا اتربينا على إن الدين قدم حلول لكل الإشكالية دي، وﻻ يصح إطلاقا اﻻعتقاد إن مصلحة الإنسانية تتعارض مع رأي الدين، وكل ما انفصل البني آدم عن خالقه بنلاقي حياته مليانة يأس وتشاؤم وببتنتهي بشكل حزين وقاسي دايما، فالحمد لله على نعمة الإيمان بالقدر خيره وشره..