قصة الثلاثة الذين لم يحاربو مع النبي صلي الله عليه وسلم و خلفوا من غزوه تبوك

258

قصة الثلاثة الذين خلفوا
استنفار النبيّ -صلى الله عليه وسلم- أصحابه للجهاد في سبيل الله تعالى مع تحديد الوجهة في هذه الغزوة -غزوة تبوك- على غير عادته -عليه الصلاة والسلام- لصعوبة الظروف المحيطة بالغزوة، فأجاب النداء جميع الصحابة ولم يتخلّف أحدٌ إلا أهل الأعذار الشرعية والنساء والغلمان وأهل النفاق وثلاثةٌ من الصحابة -كعبٌ وهلالٌ ومرارة- الذين
آثروا البقاء في المدينة عن الخروج في الحرّ للجهاد، ومضت الأيام سريعةً وعاد النبيّ -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه من تبوك مكللين بالنصر المبين، وتوجه إلى المسجد كعادته يستمع إلى الناس، فآتاه المخلفون من أهل النفاق يعتذرون بأعذارٍ واهيةٍ لعدم خروجهم للغزو فيقبل الرسول الكريم منهم ويستغفر لهم، حتى جاء
كعب بن مالك -رضي الله عنه- فجلس بين يدي رسول الله
فقلت بلى والله إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أُعطيتُ جدلاً ولكني والله لقد علمتُ أن حدثتك اليوم حديث كذِب ترضى به علي، ليوشكنّ الله أن يُسخطك عليّ، ولئن حدثتك حديث صِدق تجد عليَّ فيه، وإنّي لأرجوا فيه عفو الله عنيّ، والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر منيّ حين تخلفت عنك فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:”أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك”، وبعد خروجه لامه أهله لأنه لم يعتذر حتّى أوشك على الرجوع وتقديم عذره للنبي الكريم ثم عَلِم أنّ صاحبيْه مُرارة وهلال قد قالا مثل ما قال فثبُت على موقفه. بعد ذلك جاء الأمر من النبي -صلى الله عليه وسلم- للناس باجتناب التعامل والحديث مع هؤلاء الثلاثة فلزِم كلٌّ من هلال ومُرارة بيتيْهما أما كعبٌ فاستمر في الخروج للصلاة والسوق دون أنْ يحادثه أو يسلِّم عليه أحدٌ، ثم جاء الأمر النبوي الآخر لهؤلاء الثلاثة باعتزال نسائهم، فلحِقتْ كل واحدةٍ منهنّ بأهلها وكان ذلك بعد مرور أربعين يومًا على عودة النبي الكريم من غزوة تبوك، وفي تلك المحنة تلقى كعبٌ بن مالك -رضي الله عنه- رسالة من ملك غسان يقول فيها: “إلحق بنا نواسيك بعد أن هجرك صاحبك”، فرفض وأحرق الرسالة، وبقي هؤلاء الثلاثة على حالهم من اعتزال الناس وعلى حالهم من الشعور بالذنب والندم والحسرة والرجاء في رحمة الله تعالى وعفوه.

التوبة زاد الكرب والضيق على الثلاثة الذين خلفوا وقد استخدم القرآن الكريم تعبيرًا في غاية الدلالة على حالهم ضاقت عليهم الأرض بما رحبت أي ضاقت عليهم أنفسهم من كثرة الهم والغم والحزن والندم على ما بدر منهم بتخلفهم عن الغزو مع رسول الله ومن شدة الضيق أصبحت الأرض ضيقةً على الرغم من اتساعها، واستمر الحال بهم مدة خمسين يومًا وفي صباح اليوم الخمسين وبعد صلاة الفجر جاءت البشرى فسمع كعب بن مالك صوتًا يقول: “يا كعب بن مالك أبشر”، فعلم كعبٌ بأنّ البشرى جاءت بالمغفرة من عند الله فخرّ ساجدًا، وزفّ الناس البشرى للثلاثة، ويقول كعب الذي جاءت غالبية القصة على لسانه في كتب التاريخ والسير والتراجم أنّه انطلق إلى الرسول -عليه الصلاة والسلام- وقد تلقاه الناس بالتهنئة، وفي المسجد قام لتهنئته ومصافحته من المهاجرين طلحة بن عبيد الله -رضي الله عنه- فقط وكان كعب يقول:”لا أنساها لطلحة”، ثم استقبل الرسول الكريم كعبًا بالبِشر والسرور وقال له:”أبشر بخير يومٍ مرَّ عليك منذ ولدتك أمك! فقلت: أمن عندك، يا رسول الله، أم من عند الله؟ قال: لا بل من عند الله”. وقد أنزلَ الله تعالى في هؤلاء الثلاثة
قوله تعالى: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}
فقد قبل الله توبتهم لصدقهم مع أنفسهم ومع رسول الله
ومع ربهم ابتداءً فلم يختلقوا الأعذار كالمنافقين بل اعترفوا بالذنب والخطأ