المؤمن لا يعرف شيئا اسمه المرض النفسي .

653

من كتاب ” عالم الأسرار

مقال ” المؤمن لا يعرف شيئا اسمه المرض النفسي “

المؤمن لا يعرف شيئا اسمه المرض النفسي لأنه يعيش في حالة قبول و انسجام مع كل ما يحدث له من خير و شر .. فهو كراكب الطائرة الذي يشعر بثقة كاملة في قائدها و في أنه لا يمكن أن يخطئ لأن علمه بلا حدود ، و مهاراته بلا حدود .. فهو سوف يقود الطائرة بكفاءة في جميع الظروف و سوف يجتاز بها العواصف و الحر و البرد و الجليد و الضباب ..
و هو من فرط ثقته ينام و ينعس في كرسيه في اطمئنان و هو لا يرتجف و لا يهتز اذا سقطت الطائرة في مطب هوائي أو ترنحت في منعطف أو مالت نحو جبل .. فهذه أمور كلها لها حكمة و قد حدثت بإرادة القائد و علمه و غايتها المزيد من الأمان فكل شيء يجري بتدبير و كل حدث يحدث بتقدير و ليس في الامكان أبدع مما كان .. و هو لهذا يسلم نفسه تمامًا لقائده بلا مساءلة و بلا مجادلة و يعطيه كل ثقته بلا تردد و يتمدد في كرسيه قرير العين ساكن النفس في حالة كاملة من تمام التوكل ..

و هذا هو نفس احساس المؤمن بربه الذي يقود سفينة المقادير و يدير مجريات الحوادث و يقود الفلك الأعظم و يسوق المجرات في مداراتها و الشموس في مطالعها و مغاربها .. فكل ما يجري عليه من أمور مما لا طاقة له بها ، هي في النهاية خير ..

إذا مرض و لم يفلح الطب في علاجه .. قال في نفسه .. هو خير .. و أذا احترقت زراعته من الجفاف و لم تنجح وسائله في تجنب الكارثة .. فهي خير .. و سوف يعوضه الله خيرا منها .. و اذا فشل في حبه .. قال في نفسه حب فاشل خير من زيجة فاشلة .. فاذا فشل زواجه .. قال في نفسه الحمد لله أخذت الشر و راحت .. و الوحدة خير لصاحبها من جليس السوء .. و اذا أفلست تجارته قال الحمد لله لعل الله قد علم أن الغنى سوف يفسدني و أن مكاسب الدنيا ستكون خسارة علي في الاخرة .. و اذا مات له عزيز .. قال الحمدلله .. فالله أولى بنا من أنفسنا و هو الوحيد الذي يعلم متى تكون الزيادة في أعمارنا خيرا لنا و متى تكون شرا علينا .. سبحانه لا يسأل عما فعل ..

و شعاره دائما: ((و عسى أن تكرهوا شيئا و هو خير لكم و عسى أن تحبوا شيئا و هو شر لكم و الله يعلم و أنتم لاتعلمون))

و هو دائما مطمئن القلب ساكن النفس يرى بنور بصيرته أن الدنيا دار امتحان و بلاء و أنها ممر لا مقر، و أنها ضيافة مؤقتة شرها زائل و خيرها زائل .. و أن الصابر فيها هو الكاسب و الشاكر هو الغالب ..
لا مدخل لوسواس على قلبه و لا لهاجس على نفسه، لأن نفسه دائما مشغولة بذكر العظيم الرحيم الجليل و قلبه يهمس: الله .. الله .. مع كل نبضة ، فلا يجد الشيطان محلا و لا موطئ قدم و لا ركنا مظلما في ذلك القلب يتسلل منه ..
و هو قلب لا تحركه النوازل و لا تزلزله الزلازل لأنه في مقعد الصدق الذي لا تناله الأغيار ..
و كل الأمراض النفسية التي يتكلم عنها أطباء النفوس لها عنده أسماء أخرى:
الكبت اسمه تعفف ..
و الحرمان رياضة ..
و الاحساس بالذنب تقوى  ..
و الخوف (و هو خوف من الله وحده) عاصم من الزلل ..
و المعاناة طريق الحكمة ..
و الحزن معرفة ..
و الشهوات درجات سلم يصعد عليها بقمعها و يعلو عليها بكبحها الى منازل الصفاء النفسي و القوة الروحية ..
و الأرق .. مدد من الله لمزيد من الذكر .. و الليلة التي لا ينام فيها نعمة تستدعي الشكر و ليست شكوى يبحث لها عن دواء منوم فقد صحا فيها الى الفجر و قام للصلاة ..
و الندم مناسبة حميدة للرجوع الى الحق و العودة الى الله ..
و الالام بأنواعها الجسدي منها و النفسي هي المعونة الالهية التي يستعين بها على غواية الدنيا فيستوحش منها و يزهد فيها ..
و اليأس و الحقد و الحسد أمراض نفسية لا يعرفها و لا تخطر له على بال ..
و الغل و الثأر و الانتقام مشاعر تخطاها بالعفو و الصفح و المغفرة
و هو لا يغضب الا لمظلوم و لا يعرف العنف الا كبحا لظالم ..
و المشاعر النفسية السائدة عنده هي المودة و الرحمة و الصبر و الشكر و الحلم و الرأفة و الوداعة و السماحة و القبول و الرضا ..

تلك هي دولة المؤمن التي لا تعرف الأمراض النفسية و لا الطب النفسي ..
و الأصنام المعبودة مثل المال و الجنس و الجاه و السلطان، تحطمت و لم تعد قادرة على تفتيت المشاعر و تبديد الانتباه .. فاجتمعت النفس على ذاتها و توحدت همتها، و انقشع ضباب الرغبات و صفت الرؤية و هدأت الدوامة و ساد الاطمئنان و أصبح الانسان أملك لنفسه و أقدر على قيادها و تحول من عبد لنفسه الى حر بفضل الشعور بلا اله الا الله.. و بأنه لا حاكم و لا مهيمن و لا مالك للملك الا واحد، فتحرر من الخوف من كل حاكم و من أي كبير بل ان الموت أصبح في نظره تحررا و انطلاقا و لقاء سعيد بالحبيب ..

اختلفت النفس و أصبحت غير قابلة للمرض .. و ارتفعت الى هذه المنزلة بالايمان و الطاعة و العبادة فأصبح اختيارها هو ما يختاره الله، و هواها ما يحبه الله .. و ذابت الأنانية و الشخصانية في تلك النفس فأصبحت أداة عاملة و يدا منفذة لارادة ربها .. و هذه النفس المؤمنة لا تعرف داء الاكتئاب، فهي على العكس نفس متفائلة تؤمن بأنه لا وجود للكرب مادام هناك رب .. و أن العدل في متناولنا مادام هناك عادل .. و أن باب الرجاء مفتوح على مصراعيه مادام المرتجى و القادر حيا لا يموت ..

و النفس المؤمنة في دهشة طفولية دائمة من ايات القدرة حولها و هي في نشوة من الجمال الذي تراه في كل شيء .. و من ابداع البديع الذي ترى اثاره في العوالم من المجرات الكبرى الى الذرات الصغرى .. الى الالكترونات المتناهية في الصغر .. و كلما اتسعت مساحة العلم اتسع أمامها مجال الادهاش و تضاعفت النشوة .. فهي لهذا لا تعرف الملل و لا تعرف البلادة أو الكابة ..

كتاب ” عالم الأسرار